المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم لغة النص .


د/ جلال العدوى
17-Dec-2015, 11:56 PM
إن الوافد الحديث من العلوم الغربية بوجه عام للعلوم اللغوية بوجه خاص أصبح من الأهمية بمكان ، بحيث أننا لا نستطيع أن نتجاهله أو نتغاضى عنه إذا ما أردنا استعادة مكانتنا بين العالم ، لذلك وجب علينا أن نبدأ من حيث انتهوا لا من حيث انتهينا .
لاشك أن الحذر وأخذ الحيطة فى التعامل مع الوافد من ثقافة الآخر رأى له وجاهته ، وله ما يسوغه وهو : تحاشى الوقوع فى ثقافة المطابقة / المماثلة ، إذ تدغم الذات فى الآخر فلا ترى الحقيقة إلا بمرآته ، ولا ترضى بغير معرفته أساساً لتشييد أنظمة ثقافتها ، فتكون بذلك هى الهامش والأطراف ، والآخر هو المركز ، ولكن ذلك لايعنى أن ننغلق على ذواتنا فى مسعى أوهام المطابقة.
إن النظرية النصية هى أحد أشكال الوافد من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية ، ذلك أمر نعترف به دون أن ننكر أن النظرية النصية هى نظرية تبلورت أسسها وظهرت معالمها على أيدى علماءنا القدماء سواء كانوا لغويين أو بلاغيين أو علماء تفسير ، ثم تناولها الغرب ليؤطروها فى شكل نظرية منهجية تتفق ومقتضيات العصر الحديث .
تعالج تلك الدراسة عناصر الربط النصى فى ديوان الشاعر أحمد رامى ، وتتمثل تلك العناصر فى عنصرى السبك والحبك اللذين هما قوام النص من معايير النصية ، فلا نحكم على نص ما بنصيته إن غاب عنه هذين العنصرين حتى وإن توافرت له المعايير الخمسة المتبقية .
ولفظة " ديوان " تؤطر فى ذهن المتلقى شعرية النص المدروس لا نثريته ، وأحمد رامى هو علم دال على ذات لا يخرجها الذهن عن العصر الحديث خلافاً لأسماء الشعراء فى العصر الجاهلى الذين ارتبطوا بجعل كنية لهم كالمهلهل والمرقش والأعشى والأخطل .......... وغيرهم ، والشعراء فى العصور الوسطى الذين ارتبطت أسماؤهم بلفظ (أبو أو ابن) كأبو تمام أو ابن زيدون ....... وغيرهم .
ولد رامى فى عام 1892م بحى الناصرية فى القاهرة ، ثم غادرها بعد عامين إلى جزيرة "طاشيوز" ـ كانت تابعة لتركيا وقتئذ وهى الآن تابعة لليونان ـ حيث عين الخديوى والده طبيباً لها ، فنشأ رامى وتربى فى تلك الجزيرة ـ حيث نشأ قبله هومير والعديد من شعراء اليونان ـ بين الخضرة والماء مما جعلها أحد المؤثرات الرئيسية فى تكوين رامى شعرياً .
لقب رامى بشاعر الشباب ، ذلك لأنه كان ينشر شعره فى بدايته بمجلة تسمى " مجلة الشباب" ، مارس رامى ثلاثة ألوان من الأدب الشعرى هى الشعر الوجدانى والشعر العاطفى والشعر الوطنى ، ثم انتقل إلى أدب المسرح فترجم مايربو على خمس عشرة مسرحية عن شكسبير منها ؛ هملت ، ويوليوس قيصر ، والعاصفة ، وروميو وجوليت ، والنسر الصغير وغيرها .
كان رامى فى بداية حياته لا يكتب الشعر إلا فصيحاً حتى خيل للناس أن لا خليفة لأمير الشعراء بعده ، إلى أن تاه فى فضاء الشعر العامى ونظم الأغنية الدارجة فتعارف الناس عليه شاعراً للأغنية أكثر منه شاعراً للفصحى ، إلى أن عاد فى آخر حياته إلى كتابة الشعر فصيحاً تارة أخرى بفضل صديقه " صالح جودت " ، فكان ما كتبه فى آخر حياته من الفصيح أكثر مما كتبه فى بدايتها .
لايوجد لرامى غير ديوان واحد ، صدرت الطبعة الأولى منه فى عام 1918م ، لأن لرامى طريقة فريدة فى نشر شعره ، تلك أنه يراجع ديوانه فى كل حقبة من عمره فيتخير منه وينحل ويضيف ويعيد طبعه من جديد على الصورة التى ترضيه دون أن يغير اسم الديوان ذاته هو " ديوان رامى "([1] (http://www.nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftn1)) .

أسباب اختيار الموضوع
هناك دوافع عدة سلكت بى طريقى لاختيار الموضوع ، منها ما هو ذاتى ومنها ما هو موضوعى ، فأما الذاتى فيكمن فى الرغبة الملحة فى الدخول إلى عالم البحث اللسانى واتجاهاته ، والتعرف على أهم منطلقات تلك الاتجاهات وأهدافها ، وعدم الانحباس فى بوتقة الدراسات التقليدية.
ـ أما الدوافع الموضوعية فتعددت ، أذكر منها إيجازاً لا حصراً التالى :ـ
1ـ حداثة علم لغة النص مما يجعل منه مادة خصبة للبحث والدراسة .
2ـ قلة الدراسات التطبيقية حول علم لغة النص ، فأراد الباحث أن يظهر عملاً يشمل الجانبين : النظرى والتطبيقى .
3ـ تناول الباحثين لمفهومى (cohesion ـ coherence) كلاً على حدة ، فكانت لدي الباحث رغبة ملحة فى الجمع بين المفهومين (السبك والحبك) فى تحليل النص ، فلا يتناول نص من خلال أحدهما فقط لأن الدراسة التطبيقية تهدف إلى حسن فهم القارئ للنص وذلك لايكون إلا ببيان كليهما.
4ـ وقوف بعض الباحثين عند التحليل على مستوى الجملة على الرغم من كون العنوان يختص بعلم لغة النص ، فكان لابد من الخروج من دائرة الجملة إلى النص من خلال نماذج تطبيقية عملية مرتكزة على الجملة كوحدة أولى فى الدراسة منتهية إلى النص ، لا مرتكزة على الكلمة المفردة منتهية إلى الجملة .
5ـ المكانة الكبيرة التى يحتلها عنصرى السبك والحبك فى بيان نصية النص .
6ـ توافر العديد من العناصر التى تجعل الديوان يتصف بصفة النصية ، وكذلك التنوع الغرضى للقصائد مابين الوجدانى والوطنى وغيرهما .
7ـ التأكد التام من عدم وجود دراسة تناولت ديوان أحمد رامى بالتحليل أو الدراسة سواء على المستوى اللغوى أو الأدبى ، فكانت لدى الباحث رغبة فى تحليل الديوان وإثبات مكانة الشاعر الأدبية بين شعراء عصره .

أهداف الدراسة
هناك عدة أمور تسعى الدراسة إما لإثباتها أو التحقق منها ، تتمثل فى :ـ
1ـ رصد ومعرفة وكشف العناصر التى تصف النص بالنصية داخل الديوان .
2ـ توضيح العلاقة بين البنية السطحية للنص / السبك ، والبنية الدلالية / الحبك ، وبيان أثرهما فى ترابط النصوص .
3ـ تأطير أسس النظرية النصية فى اللغة العربية ، وإثبات نجاحها كمنهج تحليلى لغوى للنص الأدبى.
4ـ تقديم صورة متكاملة أو شبه متكاملة عن الربط النصى .
5ـ إثبات أن البحث فى عناصر الربط بين النصوص ليس مجرد عد لتلك العناصر بين المفردات والجمل داخل بنية النص بقدر ما هو بحث فى دلالة تلك المفردات والجمل ، وبالتالى هو بحث فى الدلالة العامة للنص .

مادة الدراسة
مادة الدراسة هى " ديوان رامى " للشاعر/ أحمد رامى فى طبعته الثانية لدار الشروق بالقاهرة للعام الهجرى 1427هـ والموافق ميلادياً 2006م .
يحتوى الديوان على مائة وإحدى وستين قصيدة شعرية ، جاءت منها مائة وثلاث قصائد على النهج الفصيح ، وهذه فقط هى مجموع القصائد التى ستتناولها الدراسة بالتحليل ، وقد مثلت نسبة 64% من قصائد الديوان ، وجاء الديوان فى مئتى وثمانى وثمانين صفحة ، احتلت المقدمة منها إحدى وثلاثين صفحة، والفصيح مائة وثلاث وستين صفحة ، وما تبقى كان من نصيب الشعر العامى والأغنية .
وقد قسم الجزء الفصيح من الديوان إلى ثلاثة أقسام بحسب غرض القصيدة ، وجاء القسم الأول منها بعنوان "خواطر" تمثل فى أربعين قصيدة جاءت فى تسع وستين صفحة ، وعنون القسم الثانى بعنوان "عواطف" ، واحتوى على ست وأربعين قصيدة جاءت فى ست وخمسين صفحة ، وجاء القسم الثالث بعنوان "رثاء" فى سبع عشرة قصيدة ، جاءت فى ثلاث وثلاثين صفحة .

منهج الدراسة
تقوم الدراسة فى تناولها للموضوع ـ عناصر الربط النصى ـ على المنهج الوصفى التحليلى الإحصائى وفق معطيات علم اللغة النصى ، فقد جاءت الدراسة وصفية لأنها اعتمدت على وصف الظواهر النصية الموجودة فى الديوان ، وجاءت تحليلية لأنها قامت بتفكيك النص إلى أجزاء لا لهدمه وإنما لإعادة بنائه وبيان مدى ترابطه وتماسكه ، أما كونها إحصائية فذلك لأنها قامت بعملية جمع وإحصاء لعناصر معينة بالنسبة إلى مثيلاتها .

الدراسات السابقة
هناك بعض الأطروحات القيمة التى تناولت النص بالدراسة فى مكتبات الرسائل بالجامعات المختلفة ، منها :ـ
1ـ معايير النصية ، دراسة فى نحو النص ، رسالة ماجستير للباحث / محمد اشرف عبدالعال ، بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة لعام 2003م .
2ـ رسائل الأحزان والسحاب الأحمر للرافعى ، رسالة ماجستير للباحثة / نجفة عبدالوهاب أحمد ، بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة لعام 2006م .
3ـ التماسك النصى فى شعر الزبيرى ، رسالة ماجستير للباحث / عبدالحميد أحمد محمد ، بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة لعام 2007م .
4ـ الرسائل الإخوانية والأندلسية فى عصرى المرابطين والموحدين ، دراسة فى علم لغة النص ، رسالة دكتوراه للباحث / حسام أحمد فرج ، بكلية الآداب بجامعة القاهرة لعام 2007م .
5ـ السبك والحبك فى المسرح الذهنى عند توفيق الحكيم ، رسالة ماجستير للباحثة / صفية محمد فؤاد ، بكلية الآداب بجامعة عين شمس لعام 2007م .
6ـ اتساق النص فى الرواية العربية المعاصرة ، نقطة النور لبهاء طاهر نموذجاً ، رسالة دكتوراه للباحث / زين العابدين محمد ، بكلية دار العلوم بجامعة المنيا لعام 2008م .
7ـ سورة هود دراسة فى نحو النص رسالة ماجستير للباحث / عادل مناع ، بكلية التربية بجامعة عين شمس لعام 2008م .

أما عن الدراسات المترجمة إلى العربية حول النص فقد كان من أهمها :ـ
1ـ علم النص ـ جوليا كريستيفا ـ ترجمة فريد الزاهى ـ دار توبقال للنشر ـ الدار البيضاء ـ المغرب ـ الطبعة الثانية 1992م .
2ـ النص والخطاب والإجراء ـ روبرت دى بوجراند ـ ترجمة تمام حسان ـ عالم الكتب ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى 1997م .
3ـ علم النص مدخل متداخل الاختصاصات ـ فاندايك ـ ترجمة سعيد حسن بحيرى ـ دار القاهرة للكتاب ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 2001م .
4ـ مدخل إلى علم لغة النص ـ فولفجانج هاينه مان وديتر فيهفجر ـ ترجمة سعيد حسن بحيرى ـ زهراء الشروق ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى 2004م .

أما عن الدراسات العربية حول النص فمن أهمها :ـ
1ـ لسانيات النص ، مدخل إلى انسجام الخطاب ـ محمد خطابى ـ المركز الثقافى العربى ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 1991م .
2ـ بلاغة الخطاب وعلم النص ـ صلاح فضل ـ عالم المعرفة سلسلة يصدرها المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ الطبعة الأولى ـ 1992م .
3ـ نسيج النص ، بحث فيما يكون به الملفوظ نصاً ـ الأزهر الزناد ـ المركز الثقافى العربى ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 1993م .
4ـ علم لغة النص المفاهيم والانجاهات ـ سعيد حسن بحيرى ـ الشركة العالمية للنشر لونجمان ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 1997م .
5ـ قضايا اللغة العربية فى اللسانيات الوظيفية ، بنية الخطاب من الجملة إلى النص ـ أحمد المتوكل ـ دار الأمان للنشر ـ الرباط ـ الطبعة الأولى ـ 2001م .
6ـ محمد العبد ـ النص والخطاب والاتصال ـ الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعى ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 2008م .

محاور الدراسة
قامت الدراسة على مقدمة وثلاثة فصول ، وأمر مؤكد أن سبقت الفصول بتمهيد إيمانا من الباحث بأن التمهيد هو العتبة الأولى للولوج فى عالم المتن ، وتلى تلك الفصول خاتمة البحث وقائمة مصادره ومراجعه ثم فهارسه .
تناولت المقدمة الأمور المعتادة للأطروحات العلمية كموضوع الدراسة وأسباب اختيارها وأهدافها ومادتها والمنهج المتبع فى تناولها والدراسات السابقة لها ثم محاور الدراسة التى بين أيدينا الآن .
أما التمهيد فقد تناولت بداخله أمور تثبت أقدام القارئ وتهيأ مداركه لاستقبال الفصول ، فبدأته بمدخل تأريخى لعلم النص والإرهاصات الأولى فى تناوله كنظرية منهجية علمية ، ثم تناولت الربط النصى بمفهومه العام لدى الجميع ومفهومه الخاص الذى احتواه من الدراسة ، وكان قوام التمهيد فى كونه مؤطراً للنظرية ومثبتاً لأقدام القارئ فى تناوله لثلاثية الخلاف فى علم النص وقد ضمت ثلاث إشكاليات هى ؛ إشكالية النص فى ذاته ، وإشكالية النص والجملة ، وإشكالية النص والخطاب .
أما الفصل الأول فقد جاء بعنوان عناصر السبك النحوى ، وقد ضم ثلاثة مباحث ؛ جاء الأول منها بعنوان عنصر الوصل ، والثانى بعنوان عنصر الحذف ، والثالث بعنوان عنصر الاستبدال .
أما الفصل الثانى فقد عنون بعنوان عناصر السبك المعجمى ، وجاء فى مبحثين : الأول هو عنصر التكرار والثانى هو عنصر المصاحبة المعجمية .
أما الفصل الثالث فقد كان عنوانه عناصر الحبك ، وجاء فى أربعة مباحث ؛عنون الأول منها بعنوان "مدخل تعريفى" تناولت فيه مفهوم الحبك وأهميته وقيود تواجده فى النص ، أما المبحث الثانى فقد جاء بعنوان " علاقات الحبك " ، ذكرت فيه أهم العلاقات التى تقوم بعملية الحبك واستمرارية المفاهيم ، وجاء المبحث الثالث بعنوان "دور العنوان فى الحبك "، بينما جاء المبحث الرابع بعنوان " دورالإحالة فى الحبك " .
وكما ذكرت فقد أردفت الفصول بخاتمة البحث ذاكراً فيها أهم النتائج التى توصلت إليها الدراسة ، ثم قائمة بمصادر الدراسة ومراجعها ، وأخرى للفهارس ،
وبـعــد
فإن الباحث فى هذه السطور يجد منفذاً ضئيلاً ليعبر عن ما حاك بصدره ـ طيلة سبع سنوات مضت ـ من الشكر تجاه قسم عريق بكلية دار العلوم بجامعة المنيا هو قسم علم اللغة ، فأتوجه بالشكر العريق لكل عضو من أعضائه كان له دور فى إخراج هذا البحث أو لم يكن ، أما شكرى لأستاذى الدكتور / علاء محمد شلقامى فلا ينفد وإن بدلت مادة الدراسة شكراً له ، فلقد كنت من القلة التى يحالفها الحظ فتتتلمذ على يديه فى مرحلتى الليسانس والتمهيدية للماجستير ، ولطالما دعوت الله أن أتتلمذ على يديه فى مرحلة الماجستير لما رأيت فيه من حسن المعاملة بجانب العلم الغزير ، فحسبى أن أقول فيه ما قاله سفيان الثورى فى الخليل بن أحمد .
ويولى الباحث شكره وتقديره لأولئك الذين سيقيّمون العمل ، لما سيألونه من جهد فى تكبد عناء القراءة لعمل يشق صاحبه به طريقه للسير خلفهم وخلف أساتذة اللغة من جيلهم ، ليتتلمذ على يديهم فى مراحل متقدمة .
وأخيراً : فلا أدعى لهذا البحث كمالاً ، فلا كامل إلا كتاب الله تعالى ، ولكنّى أطلب العفو ممن يغارون على اللغة وعلومها ، وأعتذر لهم عمّا قصرت فيه أو أخطأت .
البـاحـث

[1] (http://www.nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftnref1) ـ ينظر فيما قص عن حياة رامى " ديوان رامى " فى مقدمته بقلم صالح جودت ـ دار الشروق ـ الطبعة الثانية ـ 2006م .صـ 19: 30