المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة علم لغة النص 88


د/ جلال العدوى
27-Dec-2015, 09:56 PM
3ـ علاقة الإجمال / التفصيل
تأخذ هذه العلاقة صفة المرجعية ، إذ إنها " علاقة تقوم على شرح ما أجمل ذكره سابقاً"([1] (http://nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftn1)) ؛ أى أن يذكر الكلام مجملاً ثم يأتى بعد ذلك مفصلاً دون رابط لفظى بين التفضيل وما سبقه من إجمال .
وقد تسير العلاقة فى اتجاه معاكس فتنتقل من التفصيل إلى الإجمال ، ويطلق علماء البلاغة على هذه العلاقة علاقة (التقسيم ثم الجمع) ، أما إن ذكر الكلام مجملاً ثم فصل بعد ذلك فيسمى عندهم علاقة ( الجمع ثم التقسيم) ([2] (http://nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftn2)) ، ومن هذه العلاقة فى الديوان قول الشاعر:ـ
ذكرت شبابى وما قد لقى على شاطئ الابيض الأزرق
زمان خطرت على رمله أجر ذيول الصبا المونــق
مع الليل من مغرب ساحر إلى الفجر فى مطلع مشـرق
أهيم مع الموج فى كـره متى يتفــرق أو يلتقــى
وأسرى مع النجم عبر السماء تهاوى على صفحة الزئبـق
{الديوان صـ 90}
تكمن العلاقة فى الأبيات السابقة فى علاقة إجمال بالتفصيل ، حيث جاء البيت الأول مجملاً ، فقد أشار الشاعر إلى ما لقيه فى شبابه على شاطئ البحر بالاسكندرية، ثم فصل بعد ذلك هذه الأشياء فى الأبيات التى تلته قائلاً " زمان خطرت على رمله أجر ذيول الصبا ، أهيم مع الليل ، أسرى مع النجم ........." ، فقد استطاعت هذه العلاقة أن تربط بين الأبيات ربطاً محكماً أدى إلى الاستمرارية فى النص وتوحد الحدث ، وقد اعتمد الشاعر على هذه العلاقة فى الكثير من قصائده ليخلق نوعاً من الترابط المفهومى داخل هذه القصائد ، فكان منها قول الشاعر :ـ
ودار الزمان بنا فانتبهنـا على صيحة الثائر المحنق
إلام السكوت علام الرضا ونحن مع الحق فى مأزق
تفشى الضلال وساء المآل وجار الغنى على المملـق
وبيعت ضمائر لاتشتـرى وراجت أكاذيب لم تصدق
وسار بنا ركب هذا الزمان ونحن على الدرب لم نلحق
{الديوان صـ91}
فقول الشاعر "صيحة الثائر المحنق" إجمال تفصيله الأبيات بعده، وكأنه أراد أن يقول : كنا فى غفوة فانتبهنا إلى أحد يصيح قال فى صيحته كذا وكذا وكذا ، فالأبيات الأربعة التالية للبيت الأول هى تفصيل لما أجمل فى قوله " صيحة الثائر المحنق " .
وقوله :ـ
والناس صنفان : ريان أخو شبع منضر الوجه غض الجسم حاليه
ونضرة الوجه مر العمر يذبلهـا وزاهر الثوب طول العهد يبليـه
وشاحب ضامر من طول مسبغة عريـان لكن لـه طبع يحليـه
{الديوان صـ 45}
ففى قوله " الناس صنفان " إجمال تفصيله قوله " ريان أخو شبع ، شاحب ضامر " .
وقوله :ـ
وكل مافى العيش من راحة أو تعب أو دعة أو خطر
{الديوان صـ 164}
فقول الشاعر " كل مافى العيش " هو إجمال تفصيله " من راحة أو تعب أو دعة أو خطر " .
وقوله :ـ
إلى أسوان أزمعت الرحيـلا أشاهد ذلك العمل الجليلا
وانظر كيف بات النيل فيها أسيرا بين شطّيه ذليـلا
{الديوان صـ 96}
فقول الشاعر " العمل الجليلا " هو إجمال تفصيله قوله " بات النيل فيها ـ أسوان ـ أسيرا بين شطّيه " ، ويقصد به حادثة بناء السد .
وقوله:ـ
تعالى الله أجراه نميـرا يفيض على الجوانب سلسبيلا
تمايل غصنه ثمرا شهيا وأينع عوده زهـرا جميـلا
إذا بلغ المدى حفت إليـه جموعهم وضاق بهم سبيـلا
يؤدون التحايا والهدايـا إلى مهديهم الخيـر الجزيـلا
{الديوان صـ 96 ،97}
ففى قول الشاعر " يفيض على الجوانب ، تمايل غصنه ثمرا ، أينع عوده زهرا " تفصيل إجماله قول الشاعر " مهديهم الخير الجزيلا " .
وقوله :ـ
وفى أسوان حيث الليل صبح رأيت العزم يصنع مستحيلا
يهد رواسياً ويهيل صخـراً ويعلى سمكة فيـرد نيـلا
ويفتح فى الجبال له طريقـاً يقدره ركـوداً أو مسيـلا
{الديوان صـ 97}
فجملة " يصنع مستحيلا " هى إجمال تفصيله الجمل التالية لها " يهد رواسياً ، يهيل صخراً ، يفتح فى الجبال طريقاً " ، فالأفعال السابقة هى ضرب من ضروب المستحيل .
وقوله :ـ
تعالى نفـن نفسينـا غراما ونخلـد بين آلهـة الفنـون
أرتل فيك أشعارى وأصغى إلى ترجيعك العـذب الحنون
وأنظم فيك من حبات قلبـى معانى الوجد والحب الحزين
{الديوان صـ 104}
فجملة " نفن نفسينا غراما " هى إجمال تفصيله قول الشاعر بعدها " أرتل فيك أشعارى ، أصغى إلى ترجيعك العذب ، أنظم فيك معنى الوجد " .
وقوله :ـ
نم قريرا فليس بالميـت مـن خلف من بعد موته ابناً أبرا
أنا أحنو على اليتامى وأرعى أيما عاشرتك بالطهر دهرا
ثم أحيى ذكـراك ميتا وقد خلدت ذكـرى تصوغ فى الكون نشـرا
{الديوان صـ 162}
فقول الشاعر " ابناً أبراً " إجمال تفصيله الأعمال التى يقوم بها الابن ليكون باراً بأبيه ، مثل قوله " أحنو على اليتامى ، أرعى أيماً ، أحيى ذكراك " ، ومن الملاحظ أن هذه العلاقة تتنشر بين عدد ليس بالقليل من الجمل تربط بينها ربطاً مفهومياً يساعد على التواصل بين المرسل والمتلقى.

[1] (http://nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftnref1) ـ صبحى الفقى ـ علم اللغة النصى ـ جـ 2ـ صـ 141

[2] (http://nokhbit-ajyal.com/vb/#_ftnref2) ـ جميل عبد المجيد ـ البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية ـ صـ 162