المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النحو وعلاقته بالتفسير والتأويل


د/ جلال العدوى
06-Dec-2016, 08:08 AM
النحو وعلاقته بالتفسير والتأويل:
وبناء على هذا يتبين لنا أن فهم القرآن الكريم مرتبط بمعرفة الإعراب ومعرفة القراءات،ينضاف إليها علم النحو؛ لأن به يتم إحكام المعنى وتحديده، وهو ضروري في تفسير القرآن الكريم، إذ بمعرفته يعقل مراد اللّه تعالى من النصوص والآيات، ويقول الإمام الشافعي (ت660هـ):"من تبحّر في النّحو اهتدى إلى كلّ العلوم"، وقال أيضا:" لا أسأل عن مسألة من مسائل الفقه إلاّ أجبت عنها من قواعد النّحو".[36]
وقد لازم النّحو التفسير والتأويل بشكل عام، وصار مرافقا لهما، بل هو الظل الذّي لا يفارقهما، ولا يتصور انصرافهما عنه؛ فقد سعى علماء كثيرون إلى وضع مصنفات اتخذت النحو واللغة منهجا في تفسير كتاب الله تعالى، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، معاني القرآن للفراء (ت204هـ)، ومعاني القرآن للأخفش (ت211هـ)، وإعراب القرآن المنسوب للزجاج(ت310هـ)، والكشاف للزمخشري (ت538هـ) ...
وكانت أوّل غايات النّحو هو فهم القرآن الكريم ومقاصده ومعانيه، ولا أحد ينكر مدى مساهمة النحاة في خدمة النص القرآني بالوقوف على مظاهر الإعجاز فيه، ويعضد هذا الطرح صاحب الدلائل بدعوته إلى تحصيل ملكة النحو حتى لا تنغلق النصوص من القرآن الكريم على الفهم،[37]وأهمية النحو تكمن في إبانة الفوارق بين المعاني، ولهذا حثّ علماء العربية على الأخذ بأسباب هذا العلم متكاملا، فهذا ابن خلدون وهو يتحدث عن علاقة النحو بعلوم الشريعة يقول:" إنّ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابدّ من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللّسان لمن أراد علم الشريعة"[38].
وفي ضوء ما تقدّم تكاد تكون موضوعات علم النحو، وأبوابه المتكاملة مطلبا واجبا على المفسر، يتوسل بها لفك مقفلات النصوص، وتجلية الأغراض الكامنة في كلام الله تعالى، "ولا ينكر ذلك إلاّ من ينكر حسّه، وإلاّ من غالط في الحقائق نفسه"[39]، وفهم كلام الله متوقف على معرفة علوم اللسان العربي ؛ لأنه به نزل ولذلك فالمفسر ملزم بمعرفة النحو؛ لأنّ بدونه قد يضل الطريق ولا يصل إلى القصد، وفي هذا الشأن يقول صاحب الخصائص:" وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنّما استهواه واستخف حِلمه، ضعفُه في هذه اللّغة الكريمة الشريفة".[40]
ويشترط الزركشي(ت794هـ) في عملية التفسير والتأويل الحيطة والاحتراز في قوله:" ويجب أن يتحرّى في التفسير مطابقة المفسّر،وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسَّر عمّا يحتاج إليه من إيضاح المعنى المفسَّر،أو أن يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض، أو أن يكون في المفسَّر زيغ عن المعنى المفسّر وعدول عن طريقه، حتّى يكون غير مناسب له ولو من بعض أنحائه،بل يجتهد في أن يكون وفقه من جميع الأنحاء، وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، وأن يوافي بين المفردات وتلميح الوقائع، فعند ذلك تتفجّر له ينابيع الفوائد."[41]
واشترط السيوطي(ت911هـ)على المفسر جملة من العلوم وهي:اللغة النحو، التصريف،الاشتقاق،علم المعاني،البيان،البديع، القراءات،أصول الدّين أصول الفقه، أسباب النزول والقصص،الناسخ،المنسوخ،الفقه،الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.[42]
وتتضافر أسباب عديدة لحمل النّص القرآني على غير ظاهره، ويكاد يجمع النحويون على أنّ اللّجوء إليه من غير ضرورة لا يجوز، بل لا يصح، وسنحاول حصر أهم هذه الأسباب فيما يلي:
أ- نظرية العامل: لا أحد ينكر ما للعامل من أثر في المسائل النّحوية، وقد سجل لنا النحاة في مؤلفاتهم هذه المسألة مستندين على شواهد من الكلام الفصيح شعره ونثره نطالعها في موضوعات حذف الفعل وفاعله.
ب- المعنى: في القرآن الكريم آيات لا يمكن، بل لا يصح حملها على ظاهرها؛ لأن المعنى يفسد، وكان لابدّ من تأويل المعنى، كما جاء في قوله تعالى:﴿ثم اِسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾[43]وقد جمع في هذه الآية بين (استوى على العرش) وبين (وهو معكم) ويتضح أنّ الأخذ بظاهر الآية يؤدي إلى التناقض وعدم اللجوء إلى التأويل اعتراف بالتناقض، والتأويل يبين أن المعنى يستقيم بتقدير المضاف المحذوف وعليه يصبح التقدير:" وعلمه معكم.[44]
ج- المذاهب الدينية: يتبدّى هذا السبب في تأويل الفرق الدينية لآي القرآن الكريم
وما يتفق مع معتقداتهم [45]
د- الاحتجاج بالقراءات: كان لتعدد القراءات القرآنية أثر كبير في اللجـوء إلى
التأويل و الإكثار منه، ونستدل في ذلك بقوله تعالى:﴿وَلاَ يَجْرِمَّنكُم شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ صَدُّوكُم عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ ...﴾[46]بكسر همزة (إِنْ) على الشرط، فيكون جواب الشرط محذوفا،[47]ولما اختُلِف في قراءة "أن"، فمرة قرئت بفتح الهمزة ومرة بكسرها، والأخيرة "لا تجوز بإجماع النحويين إلاّ في شعر على قول بعضهم"[48]
د‌- الخوف على الأصل النحوي من التداعي أمام الشاهد القرآني، والكلام الفصيح
شعره ونثره، الأمر الذي دفع النحاة إلى رفض القراءة، ووصفها بالشذوذ عند استعصاء التأويل.
كان سيبويه (ت180هـ) يلجأ إلى التأويل كلّما اصطدم بظاهرة لا تتفق والأصل النّحوي، يقول شوقي ضيف:" ويخيل لمن يتابع سيبويه أنْ ليس في اللغة معمول لا يحذف وحتى الجملة تحذف... وأكثر سيبويه من تحليله للعبارات حتى تتجه مع ما يراه لألفاظها من إعراب...[49]
إنّ النحو اكتمل على يد سيبويه، وشاع فيه من المسائل ما يدعو إلى التدبر والتفكير، وكد الذهن لاستيعابها وفهمها كمواطن الزيادة والحذف في مقابل الذكر، والتقديم والتأخير والوصل والفصل، وغيرها من المسائل، ممّا أدّى بالنحو إلى أن يحتل الصدارة بين علوم اللسان، إذ ارتبط بالقرآن من حيث صحة القراءة وشذوذها، واتصل بعلم القراءات المختلفة ووجوه تصحيحها ورفضها.
وكانت نتيجة هذا الارتباط والاتصال أن تحقّق بما يوسم بعلاقات النظم القرآني وأصول التأليف في تقدير العناصر المحذوفة في الآيات في ضوء ما يقابلها من الآيات مظهرة العناصر، وربط ما تقدّم منها بما تأخر، وما تأخر بما تقدّم.
وما خلّفه لنا النحاة والبلاغيّون والمفسرون وغيرهم من أعمال في دراسة القرآن تستحق الاحترام والتّقدير؛ ويمكنها أن تضاهي النظريات اللغوية المعاصرة بحق؛ لأن دراساتهم دارت حول المعنى والتحليل والتركيب وأصبح لزاما علينا اليوم الإفادة منها.
وتوصلت جهود علمائنا إلى نتائج هامة يمكن أن يعول عليها في دفع عجلة البحث اللساني الحديث، وتطوير النظريات اللغوية المعاصرة خاصة منها التّي تعتمد على المعنى وترى أن التحليل هو السبيل للوصول إليه.
إنّ أهم ما تنماز بها هذه التخريجات التي حاولنا تبيانها وفق ما تيسّر لنا جمعه من مادة معرفية متنوعة من لغوية وفلسفية وأصولية وتفسيرية وبلاغية جعلت من مفهوم واقع الثنائية يتخذ مسارا لربما يقترب إلى حد بعيد إلى تصور حجاجي يقوم أساسا على بعد عقلاني يتماشى وحركية كل من التفسير والتأويل؛الشيء الذي جعل من أهل الاختصاص في مجال علوم القرآن أن يدرجوا مفهوم الثنائية من المفاهيم التي تحقق بعدا انسجاميا وترابطيا مع ما هو كائن في الخطاب التداولي سواء على جهة المفاهيم أم المصطلحات بله المنهج.
إنّ مثل هذا التصور الذي نصرّح به الآن في مثل هذه السياقات يجعلنا نقر إقرارا جازما بأنّ مفهوم الثنائية في الموروث اللساني العربي له القدرة الكافية في أن تكون له القابلية المطلقة لأن يحقق بعدا علائقيا مع كثير من المفاهيم المدرجة في الخطاب التداولي،ولعل السبب في ذلك إنّما يعود إلى تلك التصورات للقدامى التي استطاعت أن تفرز لنا الكثير من الحقائق المعرفية والمنهجية لها انعكاس حقيقي في التصور الحداثي وبخاثة في مجال لسانيات النص وتحليل الخطاب.