المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البلاغة الحجاجية2


د/ جلال العدوى
06-Dec-2016, 08:24 AM
ينبني تصور بيرلمان الحجاجي على تلك العلاقة التي تجمع بين المتكلم والمرسل إليه، وإن كان جديد بيرلمان هو التركيز على المخاطب ضمن رؤية استهوائية إقناعية وتأثيرية. بمعنى أنه ربط الحجاج بالمخاطب أكثر مما ربطه بالمتكلم واللوغوس. ومن ثم، فالبلاغة الحجاجية هي بلاغة غير شكلية (بلاغة ذاتية) مقارنة بالمنطق الصوري(بلاغة موضوعية). ومن ثم، أصبحت البلاغة الحجاجية حاضرة في المجتمعات السيميائية والديمقراطية، وأصبحت أداة مهمة لبناء المعرفة وفهم عمليات الإقناع والتأثير.
وإذا كان كثير من الدارسين، مثل: رولان بارت وجماعة مو، قد فشلوا حينما بحثوا عن آليات البلاغة القديمة من أجل إغناء السيميولوجيا، فإن بيرلمان قد نجح في ذلك كل النجاح، حينما بنى بلاغة حجاجية تهدف إلى الحكم على الحجج والأفكار والقيم في ضوء فلسفة عقلانية، بعيدا عن قواعد المنطق الجافة.
ويعني هذا أن الفكر الإنساني ليس دائما برهانيا واستدلاليا. فقد نجد أفكارا غير منطقية، ولكنها تحمل في طياتها ما هو حجاجي، كما هو حال الجمالي أوالفني الذي يقوم على وظائف حجاجية بامتياز. ويعني هذا أن حجاجية بيرلمان ذاتية ومتغيرة، مادام تركز على الذوات على عكس حجاجية بيرس (Peirce)، فهي منطقية وفلسفية تتعامل بموضوعية مع العلامات والرموز والإشارات والأيقونات التي تتخذ طابعا ثابتا. ومن ثم، يهتم بيرلمان بالعلاقات اللغوية التي تكون بين المرسل والمتلقي من خلال مراعاة القصد والمقام والسياق، سواء أكان سياقا داخليا أم خارجيا.
وإذا كانت الدراسات البلاغية السابقة (دومارسيه، وفونتانيي، ورولان بارت، ورومان جاكبسون، وجماعة مو) قد تعاملت مع البلاغة من زاوية نحوية أو لسانية بنيوية من خلال دراسة الصور دراسة معيارية أو وصفية، فإن بيرلمان قد درس البلاغة في ضوء رؤية حجاجية محضة، من خلال التركيز على مكونات بلاغية ثلاثة: اللوغوس( اللغة) والإيتوس (القيم) والباتوس(الأهواء)، وقد بين بيرلمان بأن الصور البيانية هي ذات وظيفة حجاجية . والآتي، أن البلاغة قد غدت – اليوم- علم الخطاب بامتياز.
وعليه، ينظر بيرلمان إلى الحجاج من وجهة بلاغية، مركز ا على المخاطب واللغة التي يستخدمها المتكلم لإقناع المتلقي نحويا ومعجميا، بغية الوصول إلى الحقيقية عبر البرهنة والاستدلال، سواء اقتنع بذلك المتلقي أم لم يقتنع. ومن ثم، تسعى البلاغة الحجاجية عند بيرلمان إلى استكشاف آليات الحجاج عبر التوقف عند الدعوى والأفكار المعارضة، واستخدام الأدلة والبراهين والحجج، والإشارة إلى الأفكار المشتركة التي يتفق فيها المرسل والخطيب، واستحضار الخطاطات الحجاجية، واستعراض عمليات الاستنباط والاستقراء وخطوات الإقناع والتأثير على حد سواء. وقد اختار بيرلمان الخطاب القضائي أو الاستشاري نموذجا دراسيا للتطبيق، باستعراض مختلف الحجج والحجج المضادة والتجارب التي تطرح في هذا النوع من الحجاج الذي يهدف إلى ممارسة التأثير الذاتي والإقناع الموضوعي..
وخلاصة القول، لايمكن الحديث عن بلاغة تقليدية نظرية عند بيرلمان، كماهي عند شيشرون (Cicéron) أو كينتيليان(Quintilien)، بل هي بلاغة حجاجية تداولية تطبيقية، تستنمد آلياتها التطبيقية من المنطق القضائي أو الاستشاري، مع تخليصها من طابعها اللفظي أو اللغوي. ومن ثم، يمكن القول بأن حجاجية بيرلمان رمز للحرية.أي: حرية التعبير، واحترام الحق، وتمثل العقلانية القضائية، والسعي الدائم نحو إثبات الحقيقية. ومن ثم، فالبلاغة الحجاجية ليست فقط مجرد آليات إجرائية لإقناع الآخرين، وإفحام الخصوم، بل هي طريقة فضلى نسلكها من أجل الوصول إلى الحقيقة الثابتة الصادقة.
وأخيرا، إذا كان ديكاريت يرى أن العقل أو المنطق هو المسلك الحقيقي لاكتشاف الحقيقة الثابتة الصادقة واليقين البديهي، فإن بيرلمان يرى بأن البلاغة الجديدة ذات التوجه الحجاجي هي السبيل لتحصيل الحقيقة المثلى.