المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان 3


د/ جلال العدوى
06-Dec-2016, 08:28 AM
"إن محسنا لهو حجاجي إذا كان استعماله، وهو يؤدي دوره في تغيير زاوية النظر، يبدو معتادا في علاقته بالحالة الجديدة المقترحة. وعلى العكس من ذلك، فإذا لم ينتج عن الخطاب استمالة المخاطب، فإن المحسن سيتم إدراكه باعتباره زخرفة، أي باعتباره محسن أسلوب ويعود ذلك إلى تقصيره عن أداء دور الإقناع»[5].
بل إننا نستطيع أن نندهش لكون بيرلمان يستعرض مجموعة من المحسنات البلاغية التي كنا إلى عهد قريب جدا نعتبرها مجرد مزينات للخطاب، والحال أنها من المقومات الحجاجية المكينة.
بدءا من بيرلمان أصبح كل خطاب تندرج فيه شخصية الباث والمتلقي خطابا حجاجيا.وواضح أن الخطابات التي يمكن أن تستثنى من الحجاجية هي الخطابات العلمية التجريبية أو النظرية من قبيل الرياضيات والمنطق الصوري. بل إن الفلسفة نفسها التي لا تستقيم للخطابين الرياضي والتجريبي هي من قبيل الحجاج أو الخطابة الشيء الذي لم يكن ليتبادر إلى ذهن أرسطو. لقد كان البلاغيون التقليديون ينظرون إلى الاستعارة باعتبارها " «تغييرا سعيدا لدلالة كلمة أو عبارة»[6].
إن التصورات التي حظيت بالهيمنة إلى آجال قريبة كانت تعتبر الاستعارة محسنا بيانيا أو شعريا.وأعتقد أن السبب يعود من جهة إلى أرسطو الذي خصها بتلك المواطنة الملتبسة وسط المقومات المحسناتية والمقومات الحجاجية بحصر المعنى.ومن جهة أخرى فقد أجهزت بلاغة المحسنات على الاستعارة فألحقتها بصفة نهائية بالمقومات المحسناتية الترفية والمكتفية بدغدغة الحس الجمالي عند المتلقي.ولعل التفكير الوضعي والعقلاني والتجريبي قد زكيا هذا التطرف وجردا الاستعارة من أية جدارة علمية كيفما كانت.ويعود الفضل إلى شايم بيرلمان في أمر نفي التهمة عن الاستعارة، وذلك باكتشافه أن هناك مجالات شاسعة لا يمكن الخوض فيها بدون اللجوء إلى الاستعارات.إنها إذن مقوم حجاجي بل برهاني أيضا في مجال الإنسانيات لا غنى عنه.وهي تحتل المكانة المرموقة إلى جانب القياس الإضماري والمقارنة والتناسب الأنالوجي شبه الرياضي.الخ . بل إن هناك من العلماء من يذهبون إلى أن العلوم التجريبية نفسها كثيرا ما تزودت من خزانات الاستعارات حينما تعوزها البرهنة الرياضية والتجريبية وحينما تجد نفسها ممضطرة إلى العمل بالاعتماد على الفرضيات .«إن أي تصور للاستعارة لا يلقي الضوء على أهميتها في الحجاج لا يمكن أن يحظى بقبولنا.إلا أننا نعتقد أن دور الاستعارة سيتضح أكثر بربكه بنظرية التناسب الحجاجي.[...] إننا لا نستطيع في هذه اللحظة وصف الاستعارة إلا باعتبارها ،تناسبا مكثفا، ناتجا عن ذوبان عنصر المستعار منه في المستعار له"[7]
ينطلق هذا التحديد الأولي من التحديد الموروث عن أرسطو، وهو التعريف الذي يقدمه في كتابه الشعر.إنها في رأيه « نقل إسم شيء إلى شيء آخر، فإما أن ينقل من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس، أو من نوع إلىنوع،أو ينقل بطريق المناسبة"[8].
إن النوعين الاستعاريين النقل من النوع إلى الجنس ومن الجنس إلى النوع استقلا بتسمية المجاز المرسل بنوعيه التلازمي synécdoque والإردافي métonymie، واستقل النوعان الباقيان، أي النقل من نوع إلى نوع والنقل بحسب التناسب بتسمبة الاستعارة بحصر المعنى والاستعارة التناسبية.ويذهب بيرلمان إلى اعتبار الاستعارة التناسبية هي الأصل الذي يتفرع عنه نوع الانتقال من نوع إلى نوع.إذن الاستعارة عند بيرلمان هي في الأصل تناسبية دائما.يقول : "الشائع اليوم إطلاق مصطلحي الكناية والمجاز المرسل، اللذين يتعارضان مع الاستعارات، على المجازات حيث نقل الألفاظ قائم على علاقة رمزية (الصليب بدل المسيحية)أو على علاقة الجزء بالكل(الأشرعة بدل السفن)من الجنس إلى النوع (الفانون بدل الإنسان)أو من النوع إلى الجنس.لهذا السبب فإني لن أهتم إلا بالاستعارات التي هي، في تعريف أرسطو قائمة على تناسب والتي هي في الواقع مجرد تناسبات مكثفة"[9].
وهكذا يوضح بيرلمان هذا من خلال أمثلة « فانطلاقا من التناسب" الشيخوخة هي بالنسبة إلى الحياة مثل المساء بالنسبة إلى النهار" يمكن أن نشتق الاستعارات الآتية" شيخوخة النهار"" مساء الحياة"" الشيخوخة مساء» [10].
إن نفس البنية العميقة تسمح باشتقاق كل أنواع الاستعارات. وإذا شئنا أن نبسط المسألة فإننا نقول: إن هناك شيئين أ و ج. ويتسم أ بصفة هي ب. كما يتسم ج بسمة هي د . فإذا كان العمر هو أ، وكان النهار هو ج، وكانت الشيخوخة هي ب ، والغروب هو د ، وكان كل من ب و د تربطه بالحامل علاقة مشابهة، أمكن القول:" شيخوخة النهار" و " مساء العمر" كما يمكن القول:" الشيخوخة مساء". ففي الحالتين السابقتين نكون بصدد استعارة بمعناه المحصور حيث ننتقل من نوع إلى نوع.