المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان11


د/ جلال العدوى
06-Dec-2016, 08:36 AM
يتعذر على اللغات الإنسانية التعبير عن أفكار مجردة بغير الاستعارة وليس كثيرا القول إن معجم الديانات القديمة يقوم كله على استعارات "[35] كما قارن أيضا بين أحلام الإنسان النمطية ولغة الأساطير، وبين الوسائل المستخدمة في الحلم. وتلك المستخدمة في" القصص والخرافات والأساطير وفي روح الهزل والفولكلور". ولاحظوا أيضا كيف كان يقارن بين النمو الذهني للفرد والنمو الذهني للإنسانية جمعاء. فيؤكد أن طفولة الإنسان تناظر طفولة الإنسانية. والواقع أنه لم يكن أمام فرويد خيار آخر وهو يتحدث عن مجال لا سبيل إلى الخوض فيه غير هذه المقارنات والاستعارات. إلا أن مثل هذه المقارنات والاستعارات يمكن أن تتخطى مجال الإنسانيات لكي تمتاد إلى مجال العلوم التجريبية. ولنشر إلى مجرد مثال واحد وهو« الذرة وكيف أنها تتكون من عناصر بروتونات النواة المشحونة إيجابا، تجذب نحوها جذبا كهربائيا كل الإليكترونات الموجودة في محيطها وتحت تاثير هذه الجاذبية فإن هذه الأخيرة تجد نفسها وهي ممسوكة بالنواة تنجذب نحوها تماما كما أن الكواكب الخاضعة للسحب الجاذبي تدور حول الشمس» [36] ومثل هذه الاستعارة مستخدمة في مجال الفيزياء وهو المجال الذي يتوهم أنه بعيد كل البعد عن مجال البلاغة. والحق ان العلوم التجريبية تضطر في كل حين إلى التزود بهذه الاستعارات لمجرد وضع اليد على الظواهر التي لا تقع تحت الحواس ولذلك فهي تفزع إلى الاستعارة لإنقاذها من المأزق، وهي تتستر بها أحيانا تحت التسمية المحترمة جدا في مجال العلوم ويتعلق الأمر بالنماذج. ويسجل بيرلمان نفسه هذه الظاهرة في مجال الفيزياء أيضا بقوله:
"يشكل التناسب بوصفه حلقة في الاستدلال الاستقرائي مرحلة في العلم حيث يستعمل كأداة للابتكار أكثر مما هو مستعمل كوسيلة برهان: فإذا كان التناسب مثمرا فإن الموضوع والتشبيه يتحولان إلى شاهدين أو مثالين لقانون أعم، بالعلاقة معه يصبح الموضوع والتشبيه متحدين. هذا التوحيد للمجالات يسوق على الإدماج في نفس الصنف العناصر التي توحد طرفي الشبيه والموضوع وتلك التي توحد أطراف الموضوع، تلك التي تصبح بالعلاقة مع هذا الصنف متبادلة ويصبح كل التباين بين الموضوع والشبيه مختفيين"[37]
إننا مع التناسب كما في الاستعارة نعدم القانون، أي الفكرة العامة الرابطة لكل من الموضوع والشبيه، ولهذا فحين تقوم القاعدة تنتفي الحاجة إلى التناسب كما تنتفي الحاجة إلى الاستعارة .وكأن العلم لا يقوم إلا بالقانون ولكن هناك مجالات إما أنها تند عن القانون أو أن الوقت لم يحن بعد لصياغة قانون .هنا يكون النموذج والتناسب والاستعارة ضرورية. ولكن رغم هذا كله فإن "الجمع بين المتنافرات في ربقة واحدة " كثيرا، حتى لا نقول دائما، ما اعتبر عن مقومات الشعر. بل إن هذا التناسب والنماذج والاستعارة هي مقومات شعرية في العلم. ولهذا نفهم العنوان الذي وضعه ريتشار بروان مفاتيح لأجل شعرية للسيسيولوجيا .ولكننا نفهم أيضا عبارة كوبْلو وهو يتحدث عن التناسب :
"إن خاصية الاستدلال الاستقرائي هي قيامها على طريقة تفكير اعتباطية: "إنها قفزة في المجهول ؛ وجسارتها هي صانعة خصبها " "هناك في كل استقراء ما يشبه التكهن بالحقيقة؛ إننا نتخيلها، نبتكرها قبل البرهنة عليها .هذه الطرق الجسورة لا تنتج إلا الافتراضات ...الافتراض هو استشراف للقانون .إن القانون نفسه صنعه الذهن بشكل اعتباطي"[38].
ومع هذا فإن كوبلو يعود لكي يؤكد :"إن التناسب هو في الأصل استدلال رياضي دقيق .إلا أنه يفقد هذه الخاصية حينما نطبقه على أشياء أخرى غير الأعداد "[39].
إننا لا نريد أن نفصل القول في التناسب والنماذج الآن .ولكننا ننبه فقط على أن محاولات إقصاء البلاغة وضمنها الاستعارة قد باءت بالفشل .ليس في مجال الحياة الإنسانية وحسب بل في مجالات العلوم التجريبية. ولهذا فإننا نلاحظ تسلل مقومات بلاغية إلى مجالات، يعتقد أنها علمية صرف.
ولأمر ما كان ماكس بلاك يقول إن كل العلوم تبدأ من الاستعارة لكي تنتهي إلى الجبر. الواقع أن هذا إذا صح بالنسبةإلى العلوم التجريبية فإن العلوم الإنسانية ستظل دوما واقفة عند حدود الاستعارة ولن تبلغ الجبر أبدا. وقبل بلاك ردد الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر شعارا مناظرا لهذا حينما قال :
"تكاد تكون كل علوم الطبيعة تجتاز مرحلة أسطورية .ففي تاريخ الفكر العلمي تتقدم الخيمياء الكيمياء، ويتقدم تنجيم الفلك"[40]
لا تكاد عبارة كاسيرر تختلف هن عبارة بلاك إلا في اعتبار البداية عند الأول هي الاستعارة، واعتبار البداية عند الثاني هي الأسطورة. ومع هذا فإن الخلاف لفظي، إذ الاستعارة ذات أرومة أسطورية .تماما كما أن الأسطورة كثيرا ما نظر إليها باعتبارها استعارة موسعة .