المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما اللغة ؟


د/ جلال العدوى
16-Dec-2016, 02:20 PM
اللغة هي المملكة التي يتخاصم على امتلاك أبوابها الباحث اللسانيّ وعالِم الأنثروبولوجيا والفيلسوف والمنطقيّ والبلاغيّ والفقيه اللغويّ والنحويّ وغبرهم، ولكنها تتأبّى عليهم جميعا فلا يتيسّر للفذّ منهم إلاّ المسك ببعض مفاتيحها وتظلّ سائر أبوبها مرتجة حتى يلجها مَن اقتبس مِن وهجها وعنفوانها نارا تضيء عتمات الفكر. فليس كاللغة مُخبِر عن الفكر البشريّ وإن التوت سبل التعالق بين اللغة والفكر واعتاصت مسالك التواصل بينهما ولكن الرباط بينهما "مقدّس" . فتتراوح اللغة بين إن تكون محض "كشف حساب" لما يقع في الفكر من عمليات ذهنية، بما هي مرآة صادقة تعكس ما يقع فيه من اشتغالات فكرية، وبين إن تكون أداة عاجزة عن التعبير عمّا يفيض به الفكر من شواغل واهتمامات فهي تمسخ الفكر وتمرره عبر مصفاتها "الجاهلة" التي تمرّر المدجّن المُقوْلب وترفض الأصيل المختلف.
فهذه التحديدات المصطنعة المتهافتة للغة عاجزة عن إن تحيط بكنهها في المطلق لذلك لا فكاك من مقاربة اللغة مقاربات منهجية واعية، إذ على اللسانيّ أن يحدّد مفهومه للغة دون أن يطلب من الفيلسوف أو عالِم الأنثروبولوجيا مثلا أن ينقادا لتصوّره هو لها، فهي ملك مشاع للعلوم الإنسانية خاصّةً، فهي كالقارّة المجهولة يعمّرها من العلوم ما استقام له فيها منهج صارم واضح المعالم يبني معها علاقة بيّنة محدّدة.
تبقى المقاربة الفلسفية ناشزا لأنّها لا تنصاع إلاّ لقوانين العقل وتأبى أن تنضبط انضباط العلوم فتكون مستويات التناول الفلسفيّ للغة متباعدة وربما متناقضة: فالأنساق الفلسفية منذ أفلاطون لم تنفكّ تبني علاقات وتهدم أخرى مع اللغة.
غير أنّ ما نشير إليه هو أنّ المقاربات المختلفة للغة منها العامّة التي تتعلّق بماهية اللغة ووظيفتها لا تهمّنا في هذا السياق، بل نُعنى هنا بمقاربات جزئية تتعلق بمباحث في اللغة تتعاورها البلاغة والمنطق والفلسفة. فالأمر يتعلّق بتحليل التشبيه باعتباره وسيلة لغوية تعبّر من زاوية البلاغة عن معنى زائد عن ذلك التقرير. وسنبيّن أنّ الزيادة هنا ليست لها قيمة خارج المنظومة الثقافية بَلْهَ البلاغية.
و اخترنا أن نعتمد مرجعيتيْن أثيرتين إحداهما عربية قديمة ولكنها كثيرا ما تعود لجدّة آرائها وطرافتها ونقصد عبد القاهر الجرجانيّ، والأخرى غربية إليها – مع غيرها – يعود فضل إنشاء التداولية [pragmatique] التي شكّلت منعطفا حاسما في الدراسات اللسانية كما مثلت مسلكا حيويا بالنسبة إلى المباحث الدلالية، ونقصد بهذه المرجعية جون لانغشو أوستين John Langshaw Austin.
فكيف تناول الرجلان التشبيه كل من زاوية نظره؟.
وهل من ترابط بين طبيعة الاجراءين الفلسفي والبلاغي للعبارة التشبيهية؟ وهل من قوانين جامعة تشكل الحبل السري بين اللغة (التعبير) والفكر (التنظير)؟
وقبل ذلك كله نسأل: كيف قارب أوستين التشبيه فلسفيا بطريقة تطبيقية؟
يرى أوستين أن "التركيب (يشبه س) يحتاج مع ذلك إلى معالجة خاصة [ رغم العلاقات الدلالية الرابطة بين الجمل ((يشبه س)) و ((له نفس مظهر س)) و ((كان س، كان فعل تام))] ذلك أن دوره يتمثل في أنه يفيد الانطباع العام الذي تم عن طريق شيء ما, ورغم أن هذا التركيب يقترب كثيرا من التركيب ((يظهر أنه)) ("هذا يشبه، ويظهر أنه، بحث جاد")، فإنه كثيرا ما يرد أنه لا يفعل ذلك. أي أن الانطباع العام يمكن أن يؤخذ باعتباره أمارة، وكثيرا ما لا يكون ذلك. فالجملة "الأيام الثلاثة الموالية تشبه كابوسا طويلا" لا تعني أنه يظهر أنها كابوس حقيقي ولا تعني كذلك أن أميل إلى التفكير أنها كانت (كان فعل تام) كذلك. فكل ما تدل عليه العبارة هو أنها تعني أمرا ما، هو أن هذه الأيام الثلاثة تشبه كابوسا. وفي سياق مماثل، يندر أن نفاضل بين "يظهر أنه" و "كان التامة" .